الثلاثاء , 29 سبتمبر 2020
رؤيا جديدة لمعنى لفظ “استوى “في القرآن الكريم

رؤيا جديدة لمعنى لفظ “استوى “في القرآن الكريم

tmp_8676-IMG_٢٠١٧٠٣١٦_٢٢٢٥٣٥1452718287

بقلم .. إبراهيم محمد أبو العزم
مع معنى لفظ (اسْتَوَىٰ ) فى القرآن الكريم و نظرة جديدة من نوعها لمعنى اللفظ الكريم لحل الإشكاليات و الحيرة التى وقع فيها الكثيرون نتيجة فهمهم أن اللفظ يراد به الله فى سياق فهمهم للآيات .

أولا :- المعنى اللغوى لكلمة ( اسْتَوَى ) :-
اسْتَوَى : استقامَ واعتدَلَ .
و اسْتَوَى الشيئان : تساويا .
و اسْتَوَى فلانٌ : تَمَّ شبابُه .
و اسْتَوَى الطعامُ ونحوُه : نضِجَ .
و اسْتَوَى الأرضُ : صارت جَدْبًا .
و اسْتَوَى به الأرضُ : هلك فيها .
و اسْتَوَى على كذا ، أو فوقه : علا وصَعد .
و اسْتَوَى استقرَّ وثبت .
و اسْتَوَى عليه : استولى وملك :- ويقال : استوى على سرير المُلْكِ ، أَو على العرش : تولَّى المُلك .
و اسْتَوَى إِليه : قَصَدَ وتوجَّه لا يَلوِي على شيء .
** المعجم : – المعجم الوسيط
# و نلاحظ هنا أنها :- كلها معانى بشرية لا تصلح بأى حال من الأحوال أن يتصف بها الله و هو الإله الواحد الأحد سبحانه .

و من المؤكدات القرآنية لتلك المعانى البشرية و المادية للفظ (اسْتَوَى ) الآيات التالية التى لو لم تكن مذكورة فى القرآن لألحق اللفظ بصفات الألوهية لأن :-
( القرآن هو السيد لكل قواعد اللغة و الأصل الضابط للسان العرب و ليس العكس )
الآيات هى التالية :-
﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤ ) ﴾ [القصص] و الكلام هنا على سيدنا موسى لذا فلفظ ( استوى ) أريد به سيدنا موسى لوصف حالة اكتماله
﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَ‍‍اسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩﴾ ) [الفتح] و المعنى هنا أيضا معنى مادى يطلق على النبات

(ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ (7) ) …سورة النجم
و المعنى هنا كما ورد فى تفسير الطنطاوى :-
وقوله- تعالى-: ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى صفة أخرى من صفات جبريل- عليه السلام-. والمرة- بكسر الميم- تطلق على قوة الذات، وحصافة العقل ورجاحته، مأخوذ من أمررت الحبل، إذا أحكمت فتله..
وشبيه بهاتين الآيتين قوله- تعالى-: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ. مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ…. ..انتهى
و هنا كما هوواضح وصف مخلوق من مخلوقات الله و المفسر يقول أنه سيدنا جبريل عليه السلام
و ليس هذا ما يهمنا فى هذا الموضع .. و لكن ما يهمنا إثبات ان لفظ ( استوى ) لفظ يطلق على صفات مخلوقات على أية حال
## و قبل أن ندخل فى بيان الفهم الجديد لمدلول لفظ ( استوى ) فى القرآن أحب أن أذكر حديث نبوى هام حول لفظ ( العرش ) حيث انه ذكر كثيرا فى نفس السياق مع اللفظ ( استوى ) :-

مرت سحابة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هل تدرون ما هذه فقلنا السحاب فقال أو المزن فقالوا أو المزن فقال أو العنان قلنا أو العنان فقال هل تدرون بعد ما بين السماء و الأرض قلنا لا قال إحدى وسبعون أو اثنان وسبعون أو ثلاث وسبعون سنة قال وإلى فوقها مثل ذلك حتى عدهن سبع سماوات على نحو ذلك قال ثم فوق السماء السابعة البحر أسفله من أعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم العرش فوق ذلك من أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم إن الله تبارك وتعالى فوق ذلك

الراوي: العباس بن عبد المطلب المحدث: الجورقاني – المصدر: الأباطيل والمناكير – الصفحة أو الرقم: 1/209
خلاصة حكم المحدث: صحيح

# ملحوظة هامة :- بالنسبة للحديث السابق و هناك غيره من الأحاديث التى تؤكد التالى :-
إن العرش هو قمة بناء الكون المخلوق أى إن كانت السماوات و الأرض بمثابة الكيان و البناء المخلوق فإن العرش هو قمة هذا البناء و أعلى ما فيه علوا و إحاطة

و فى عرض المعانى للغوية للفظ ( عرش ) ما يؤكد هذا المعنى و هذه المعانى هى كالتالى :-
عرش

ع ر ش : العَرْشُ سرير الملك و عَرْشُ البيت سقفه وقولهم ثل عرشه على ما لم يسم فاعله أي وهى أمره وذهب عزه و عَرَشَ بنى بناء من خشب وبابه ضرب ونصر وكروم مَعْرُشَاتٌ و العَرِيشُ عريش الكرم وهو أيضا خيمة من خشب وثمام والجمع عُرُش بضمتين كقليب وقلب ومنه قيل لبيوت مكة العرش لأنها عيدان تنصب ويظلل عليها وفي الحديث { تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وفلان كافر بالعرش } ومن قال عُرُوشٌ فواحدها عَرْشٌ مثل فلس وفلوس ومنه الحديث { إن بن عمر رضي الله عنه كان يقطع التلبية إذا نظر إلى عروش مكة } و عَرَّشَ الكرم بالعروش تَعْرِيشاً و اعْتَرَشَ العنب إذا علا على العراش

و الآن مع الآيات القرآنية التى ذكر فيها لفظ ( استوى ) فى القرآن كله ….و مع فهم جديد لها :-
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) ………….. سورة البقرة

المراد من الإستواء المذكور فى كلمة ( استوى ) …هو الخلق و ليس الله :- لأن الإستواء عملية مادية فيها ما ذكرنا من معانى أعلاه مثل الإكتمال و النضج
فنحن :-
مثلا نقول على كل الفواكه مع أنها سرت فيها عملية الخلق فأوجدت و نقول و هى معلقة على الشجرة ( اقطف البرتقالة فلقد استوت )

لفظ ( فسواهن ) بعدها :- إن قلنا انه عائد على الله :- فهو سليم لان التسوية مذكور أنها من أفعال الله فى القرآن الكريم من أمثلتها :- الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ (3) ….سورة الأعلى

الفاء تفيد التعقيب و الترتيب و هذا يعزز نسب عملية التسوية إلى الله بعكس اللفظ

( استوى ) فقبلها ( ثم ) و هى تفيد ( التراخى ) مما يؤكد ان اللفظ استوى ( عائد على عملية الخلق ) نفسها و ليس على الله كما ذكر البعض و تسبب فى إشكاليات للفهم رهيبة لدى الكثيرين

الإنتقال من عملية التخلق و اكتمالها فى ( الإستواء ) إلى عملية التسوية فى خلق السماوات و التسوية هنا اكساب للسماوات خصائص فى الخلق ليست للأرض
( لأنه شتان بين معنى الإستواء و معنى التسوية ) وهذا يؤكد أن لفظ ( استوى ) عائد على عملية الخلق و ليس على الله

إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) ……سورة الأعراف
بناءا لما أوردنا من الحديث النبوى و المعانى اللغوية أعلاه :- فإن العرش هو خلق من خلق أعلى من السماوات و الأرض وهو فى قمة هرم الخلق الربانى
دائما ما نلاحظ أن لفظ ( استوى ) يأتى قرين عملية الخلق للسماوات و الأرض كما بينا فى الآية السابقة أعلاه ( الآية 29 البقرة ) ……….
لفظ ( استوى ) هنا عائد على عملية ( الخلق ) :- اى ان عملية التخلق الناتجة من أمر الخلق تم لها الإكتمال و الارتفاع و كل ما يحمله معنى لفظ ( استوى ) من معانى …
هنا إشكالية :- و هى لفظ ( على العرش ) لأنه كما ثبت فى السنة أن العرش خلق أعلى من خلق السماوات و الأرض ……..و حل هذه الإشكالية يكمن فى الآية الكريمة :-
(لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (12) …سورة الشورى
لذا فإكتمال عملية الخلق ( بكل ما تحمله لفظ استوى من معانى ) فى أمر السماوات و الأرض ( هو عينه اكتمال و صال الله لمقاليد أمرها و اكتمال الوصال هو نظر الرحمن لها بالرضا و بإرادة الخير و الرحمة )
أتى بعد عملية استواء الخلق على العرش الذى ذكرنا بأنه ( اكتمال وضع مقاليد السماوات و الارض ) الذى قال عنه المفسرون مثل الإمام الطبرى :- ( لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) : له مفاتيح خزائن السموات والأرض وبيده مغاليق الخير والشر ومفاتيحها, فما يفتح من رحمة فلا ممسك لها, وما يمسك فلا مرسل له من بعده.
فهو إكتمال وضع مفاتيحها و مصادر تسييرها
ما يؤكد هذا ذكر عملية (اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ) ثم تأكيد الحق سبحانه و تعالى ما يلى (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) :- العطف بين الخلق و الأمر يفيد الإتصال و ذكر أن الإثنين له يفيد ما يلى :-
خصوصية لعالم الخلق و عمليته
خصوصية لعالم الأمر و سريانه ووضع سره فى الأشياء
الإثنين على خصوصيتهم و تفرد سر الله و صنيعه و حكمته لكل منهم من حيث ما تقتضيه طبيعته ( هم متصلين من حيث أن صانعهم واحد و مليتكهم و أمرهم راجع الى الله )

قول الحق سبحانه و تعالى بما بيناه بعد ذكره عملية الخلق و اثبات الأمر مع أن مناسبة الآيات كلها تدل على عملية الخلق تثبت ما قلناه من الاستدلال بآية ( لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) التى هى عين عالم الأمر المتنزل الى السماوات و الأرض

كل ما ذكرنا يعطى بما لا مجالا للشك أن لفظ ( استوى ) المراد به هنا عملية الخلق و ليس الله

إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (3) …….سورة يونس

بالرغم من أن هذه الآية فى سورة يونس خلاف سابقتها التى ذكرناها و التى تقع فى سورة الأعراف ….إلا أننا نلاحظ اتفاق ألفاظهم و كلماتهم خصوصا فى الشطر الاول الذى أتى بصورة متطابقة

( إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ )
و بالتالى ما قلناه من أن المراد هنا من لفظ ( استوى ) هو استواء عملية الخلق و اكتمالها فما يصدق على الآية السابقة فى سورة الأعراف فى المراد من لفظ ( استوى ) هو نفسه ما يصدق على معنى اللفظ هنا
و نلاحظ الآتى :-
قال الله سبحانه وتعالى :- ( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ) فجاء عقب حركة استواء الخلق و عمليته الخلقية بيانا لتعلق حركة الموجودات بالعرش الذى كما قلنا سابقا هو قمة الخلق الربانى ….كما أنه سبحانه و تعالى ذكر هنا تدبير الأمر و لم يجمع معه الخلق كما فى سورة الأعراف السابقة عليه :- لحكمتين :-
الاولى :- مناسبة ما بعدها من ايضاح فهو يتكلم عن مقام الشفاعة (مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ )
الثانية :- أن لفظ ( الأمر ) هنا مذكور قرين التدبير ( يدبر ) و التدبير يحمل معه شؤون سريان الأمر الذى هو أكيد متعلق بعالم الخلق
تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (4) الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ (5) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَىٰ (6) ……….سورة طه

هذه الآيات مع انها تلحق بنفس معنى ( استوى ) الذى ذكرناه سابقا من انه المراد به عملية الخلق إلا ان لها خصوصية :-
استواء عملية الخلق هنا خاصة بالعرش نفسه
قول الحق سبحانه و تعلى ( الرحمن ) و لم يقل الله و هذه الآية :- هى الوحيدة التى أتت فيها اتصال مباشر بين لفظ العرش و لفظ من أسماء الله الحسنى
إن هذا الإتصال الذى قلنا به (الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ ) يؤكد لنا أن الإستواء هنا خاص بعملية الخلق و ليس خاصا بالله ( لأنه كما قلنا سابقا كل معانى الاستواء المذكورة هى خاصة بالمخلوقات )
يأتى الإعجاز البيانى القرآنى ليبين لنا التالى :-
تجلى الله بصفة الرحمة على العرش فاستوى أى إكتمل العرش لذا أتى لفظ ( على ) ليناسب حقيقة العرش من حيث أنه قمة مخلوقات الكون و أعلاها إرتفاعا و شأنا و ووجودا و إحاطة ( وهذا المعنى يعطينا إشارة إلى ) :-
كل مخلوق مهما علا فإحاطة قدرة الله به أعلى منه
رحمة الله تعلو كل شئ فى الوجود
الرحمانية صفة تجمع بين معانى الرحمة و الهيمنة و الإقتدار الإلهى

و مما يؤكد المعنى أن العرش و لفظ ( استوى ) يأتى دائما قرينا بذكر السماوات و الأرض و هو ما حدث فى الآية أعلاه حيث أتى قبلها ذكر السماوات و الأرض ….و نلاحظ انه تم وصف الإثنين ( بالعلى ) و فى هذا معانى كثيرة و ما يهمنا هنا أن هذا اللفظ و الوصف
( بالعلى ) يؤكد ما ذكرناه من حكمة استخدام لفظ ( على ) فى الآية السابقة
الآية الكريمة :- ( لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَىٰ (6) ) ….لفظ ( له ) عائدة على ما قبلها و هو الرحمن …و بالتالى فهى وصف يدل على الملكي و لكن أيضا هذا الإتصال يوضح لنا بعض أنوار الآية القرآنية
( كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ ) سورة الأنعام ….أى أن الله جعل هذه الملكية له
ملكية رحمة منه ………و هذا يؤكد ما قلناه من أن المراد هنا تجليات الرحمة و الرحمانية الإلهية …و ليس الله سبحانه و تعالى جل شأنه …..و إلا لذكر الله صراحة الإسم ( الله ) و هو إسم الذات المقدسة فى هذا الموضع الصريح الذى لا يحتمل اللبس
و نلاحظ الآتى :-
( لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (12) )…سورة الشورى
(( لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَىٰ (6) ) ….سورة طه
هذا التشابه فى المعانى يؤيد ما قلناه فى عملية استواء خلق السماوات و الارض واتصال مقاليدها بالعرش من حيث عملية الخلق و التدبير فى عالم الأسباب و تعلقها ببعضها البعض
و إثبات الملكية لله مع ذكر حقائق عالم الأسباب و الخلق الكونى
( هو من باب ذكر الحقيقة الكبرى هو أن كل شئ فى الكون ملك لله كل شئ لله ) و تنبيها على عدم الإفتتان بحقيقة عظمة العرش لأنه أحد المخلوقات المملوكة لله كما حال الكون كله و تنبيه و إشارة على ( إرجاع كل الأمور إلى الله )

اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) …….سورة الرعد
لفظ ( استوى ) هنا عائد على عملية الرفع ( رفع السماوات ) و عملية الرفع هى أحد آليات و تفاصيل عملية خلق السماوات ….التى أشرنا لها سابقا و اثبتنا انها المرادة بلفظ ( استوى )

و مناط استوائها على العرش :- هو مقاليد أمرها التى تم ذكرها سابقا فى النقطة الرابعة من آية سورة الأعراف المرقمة بالرقم ( 2 ) فى البحث
و ذكر الحق سبحانه وتعالى تصاريف أمر السماوات ملحقة على عملية الإستواء على العرش أى إكتمال حقائق الخلق كما يريده الله فذكر لنا الحق سبحانه و تعالى ( و سخر الشمس و القمر ) معطوفا على ما قبله
ونلاحظ أن الشمس و القمر هما رمزان لحقائق الليل و النهار المذكورة فى سورة الأعراف و ذكرناها أعلاه
و هذا تشابه فى خطوط المعنى العام الا أن إختلاف التفاصيل يعطينا معلومات أكثر غزارة عن حركة تدبير الكون و حكمة الله فيه و ليس هذا موضعها الآن ….فغاية الأمر من هذا البحث هو تأكيد أن لفظ الإستواء لا يراد به الله فى كل المواضع التى ذكر فيها
نلاحظ ايضا ( يدبر الأمر ) هو نفس المعنى و السياق المذكور فى آيات سورة يونس المرقمة بالرقم ثلاثة أعلاه من حيث ترتيب البحث و التى تكلمنا عنها
الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ الرَّحْمَٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (59) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا ۩ (60) تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا (61) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62) ……سورة الفرقان
نفس المعنى اللفظ ( استوى ) عائد على عملية الخلق
ذكر الرحمن هنا بعد العرش يؤكد ما قلناه فى الآية التى ذكرت فى سورة طه من أن الإستواء ليس خاصا بالرحمن و إنما هو أثر ناتج من رحمة الله و هو حركة مخلوقة فى مخلوقات الله لازمة لها
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (4) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (5)……..سورة السجدة

نفس المعنى السابق و هو لفظ ( استوى ) عائد على الخلق وعمليته و ليس الله

وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) ……سورة فصلت
إن خصوصية لفظ ( استوى ) هنا تؤكد بما لا يدع مجالا للشك ما قلناه من أن لفظ
( استوى ) يراد به الخلق و عملية تخلقه و ليس الله
فالآيات هنا كلها تناقش عملية الخلق من الرواسى و الأقوات و أرزاق السائلين كما هو اضح بيانا عيانا
و اللفظ ( استوى ) عائد على ( و قدر ) و التقدير هو أحد أهم آليات عملية الخلق
الخطاب : ( فقال لها ) يبين أن الحق سبحانه و تعالى دائم الحضور و الإطلاع على مخلوقاته لذا فحتى مع ما أمد به السماوات و الأرض من تقدير و أسباب و كل ما أودعهم فيه من أسرار فهو يخاطبهم و خطابه مدد لهم و عطاء سبحانه
كما أن هذا اللفظ ( استوى ) يوضح رحمة الله بخلقه من السماوات و الارض و العرش ……فهو لا يحملهم ما لا طاقة لهم به بل يعطيهم من فضله و يهبهم حقائقهم الذاتية …..لذا أيضا هذا اللفظ يوضح لنا :- سبب مدة الخلق ( ستة أيام ) التى ذكرت فى القرآن الكريم و هو رحمة الله بخلقه و حلما عليهم و رأفة بهم ….سبحانه

هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4) ………..سورة الحديد

و يأتى ختام الآيات التى طفنا معها من خلال لفظ ( استوى فيها ) ..آيات سورة الحديد …و الحمد لله على هذا الختام المسك ..
الذى هو بمثابة الخاتم الإلهى و الدمغ الربانى على حقائق ماقلناه و أيضا بمثابة رسالة الله لمن أخطأ بحق الله و قال بأن الله جالس على العرش سبحانه… (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) ) سورة الشورى
فنفس سياق الآيات واحد مع لفظ ( استوى ) لا ينفك عن عملية الخلق أو احد آلياتها فى القرآن …لم يشذ عن هذه القاعدة سوى ذكر اللفظ مع إسم الله الرحمن فى سورة طه و أوضحنا هذا فى محله و أن المراد به هو اكتمال العرش نفسه هذه المرة برحمة الله
و الدمغ الربانى الذى اتحدث عنه هو كالتالى :-
( هُوَ الَّذِي خَلَقَ …………………………………………..وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) ابتد أ بهو و انتهى بهو مع تأكيد (مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ )
أى الله موجود كما أخبر هو عن نفسه معنا فى كل الوجود لا يحده حد أو زمان أو مكان سبحانه فهو خالق الحد و الزمان و المكان

سرنا مع القرآن بالقرآن كما أخبر عن نفسه و أرجو من الله أن يكون هذا البحث القصير الذى حاولت فيه جهدى مراعاة التبسيط و تقليل كم الكتابة حتى يصل لكل المشارب و الأذواق القارئة بسهولة , أرجو أن يكون هذا البحث حلا لكثير من إشكاليات الفهم للفظ ( استوى ) …التى سببت الكثير من الأزمات النفسية و الفكرية لدى العديد من الشباب المعاصر دون الإنتباه من الكثيرين إلى قاعدة هامة جداااااااااااا
و هى أن :- ( القرآن و الدين و الشريعة فى كل جوانبهم مصدر للراحة و الأمان و الصفاء المتسق فى كل جوانبه )
فإن وجدنا غير هذا فلنراجع أفهامنا نفسها لأنه هناك بالتأكيد خلل فى فهمنا نحن لأن القرآن و الدين و الشريعة معصومة بعصمة الله أبد الدهر لتكون مصدر للراحة و الأمان و الصفاء الفكرى و النفسى المتسق فى كل جوانبه .
نسأل الله الهدى و النور و التوفيق و الهداية إنه ولى ذلك و هو العزيز القدير

التعليقات

التعليقات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*