الخميس , 9 يوليو 2020
د.عبد النبى بيومى أستاذ الأشعة بجامعة الأزهر:الصحة لا تضع استراتيجية لسوق الدواء

د.عبد النبى بيومى أستاذ الأشعة بجامعة الأزهر:الصحة لا تضع استراتيجية لسوق الدواء

أجرى الحوار : على رضوان
الدواء يعتبر أحد السلع الاستراتيجية التى لا يستغنى عنها مجتمع أو دولة ذلك لأن الدواء هو الشق الثانى فى المنظومة العلاجيةبعد التشخيص وتعانى مصر بشكل شبه مستمر من أزمات دوائية متتالية ناتجة عن نقص أو اختفاء أحد الأدوية الضرورية أو الأساسية من السوق .
حول هذه القضية كان لنا هذا الحوار مع الأستاذ الدكتور عبد النبى بيومى أستاذ الأشعة بجامعة الأزهر
ـ يقول الدكتور عبدالنبى : نلاحظ فى كل أزمات نقص الدواء المتتالية والمتكررة عدم انتباه وزارة الصحة لتلك الازمات إلا بعد تفاقمها و إحداثها لصدى واسع فى المجتمع ولكن الأهم من ذلك هو أن تعامل الوزارة مع تلك الأزمات يكون بنظام “المسكنات” بحيث يتم حل تلك الأزمات بشكل مؤقت دون وضع استراتيجية أو خطة لحل تلك المشكلة من جذورها وهذا يعتبر انعكاسا طبيعيا لحالة انعدام الرؤية وعشوائية التخطيط فى السياسات الدوائية المصرية خصوصا فى العقد الأخير وتفاقمت الأزمة مع سيطرة رجال الأعمال على وزارة الصحة وحتى يمكننا المساهمة فى وضع اقتراحات حلول جذرية لتلك المشكلة نحتاج إلى فهم أبعاد أزمة نقص الأدوية وأسبابها .
ـ دكتور عبد النبى .. ماهى الأسباب التى أدت إلى أزمة نقص الأدوية و هل يعد نقص السيولة المالية سببا أم عجز من الدولة ,أم تقصير من سياسات وزارة الصحة ؟
ـ أولا صناعة الدواء فى مصر تقوم على استيراد المواد الخام الدوائية من الخارج ثم تصنيعها واخراجها فى الشكل النهائى وتوفيرها للسوق ويعتبر حدوث أى خلل في استيراد المواد الخام الدوائية من الخارج سواء بسبب نقص السيولة المالية أو مشاكل عند الموردين أحد أهم الأسباب لحدوث الأزمات المتكررة لنقص الدواء.
إن الأدوية المصنعة محليا لا تغطى كافة احتياجات السوق من الدواء حيث تستورد مصر حوالى 10% من احتياجاتها من الأدوية (فى شكلها النهائى) من الخارج مما يعنى أن أى خلل فى استيراد هذه الأدوية يسبب أيضا أزمة فى سوق الدواء المصرى وهذه تكون أكثر صدى حيث أن معظم الأدوية المستوردة من الخارج هى من نوعية الأدوية الضرورية “مثل الأنسولين وأدوية علاج السرطان والبان الأطفال” والتى تسبب عند نقصها ضجة كبيرة داخل المجتمع .
ثانيا :تعطيش السوق :
لا تتوقف ألاسباب على العوامل الخارجية مثل الاستيراد من الخارج فقط.بل توجد عوامل داخلية كثيرة لا تقل فى قدرتها على احداث أزمات نقص أدوية في السوق لعل من أهمها الاحتكار ومشاكل تسعير الدواء حيث تتعمد بعض شركات انتاج الأدوية وبعض شركات توزيع الأدوية “تعطيش” السوق من بعض الأدوية كأسلوب ضغط لرفع سعر تلك الأدوية بشكل رسمى من خلال وزارة الصحة أو حتى بشكل غير قانونى ببيعها فى السوق السوداء بأسعار أكثر بكثير من أسعارها الرسمية.
ثالثا :مشاكل الانتاج فى مصانع الادوية
لنا ايضا أن نذكر أن من أسباب أزمة نقص الأدوية في السوق المصرى ,حدوث مشاكل فى خطوط الانتاج داخل مصانع الأدوية , وايضا توقف بعض شركات الأدوية من انتاج بعض الأصناف نظرا لانخفاض أو انعدام الجدوى الاقتصادية لتلك الأصناف .الى جانب هذه الأسباب يوجد عدد من الأسباب الأخرى الأقل أهمية والأقل قدرا على احداث أزمات نقص فى الأدوية فى السوق المصرى نتغاضى عن ذكرها اختصارا.
ـ ماهى الحلول المناسبة من وجهة نظرك لهذه الأزمة الطاحنة ؟
ـ يمكننا اقتراح بعض الحلول السريعة لاحتواء تلك الأزمات المتكررة ومنع حدوثها بجانب وضع اسس لحلول جذرية وبعيدة المدى لتلك المشكلة.
انشاء غرفة للأزمات الدوائية بوزارة الصحةاولا :
ان الحاجة اصبحت ماسة الى وجود هيئة متخصصة لوضع آليات وخطط سريعة لاحتواء تلك المشاكل والأزمات ومتابعة توافر الأدوية بالسوق المصرية والعمل على منع حدوث أزمات نقص للأدوية قدر المستطاع فتقوم الغرفة بمتابعة كميات الادوية داخل السوق وضمان توافر كافة الأدوية خاصة الأدوية الضروريةوالأساسية بكميات تكفى لاستهلاك السوق المحلى لمدة 6 أشهر قادمة وعمل اجراءات وتحركات عاجلة اذا تناقصت كميات أى دواء الى قرب كمية تكفى استهلاك 3 أشهر على الأقل. وبمكن للغرفة متابعة كميات الأدوية بالسوق من خلال متابعة مخزونات شركات توزيع الأدوية ومكاتب وشركات استيراد الأدوية وكذلك بمتابعة الكميات المنتجة من الأدوية بشركات انتاج الأدوية ومتابعة مخزونها من المواد الخام الدوائية اللازمة لانتاج تلك الأدوية وجدير بالذكر ان وزارة الصحة قد قامت بتشكيل لجنة لهذا الغرض لكن حتى الآن لا نعرف تفاصيل عن تشكيل تلك اللجنة ولا عن آليات عملها فضلا عن ان لا أثرا ملموسا لهذة اللجنة فى الواقع.
ـ ما هى المسئولية القانونية لشركات انتاج واستيراد الأدوية وتقنينها؟
ـ ينقسم سوق الدواء المصرى سواء فى الانتاج أو الاستيراد الى قسمين
– قطاع عام :-خاضع للحكومة تديره الشركات القابضة للأدوية.
– قطاع خاص :- يقوم عليه مجموعة من المستثمرين المصريين والأجانب .
ويعتبر القطاع الخاص هو الأكبر حجما والأكثر تأثيرا في سوق الدواء المصرى حيث يقوم بتغطية معظم احتياجات السوق المصرى من الدواء سواء المحلى أوالمستورد حيث لايغطى القطاع العام الا 19% فقط من احتياجات السوق “من حيث عدد الوحدات ” وبالتالى تقع مسئولية أدبية على هذا القطاع الخاص بالعمل على توفير الدواء فى السوق المصرى .غير أن الإشكالية تظهر عندما يحدث تعارض بين هذه المسئولية الأدبية وبين الجانب الربحى الذى يحتل الأولوية لدى المستثمر. لذا تقصر شركات الأدوية المنتجة والمستوردة عن توفير بعض الأصناف احيانا اذا لم تجد لذلك جدوى ربحية .
من هنا تنشأ أهمية وجود مسئولية قانونية علي شركات الأدوية المنتجة والمستوردة لتوفير الدواء الذى تم منحها ترخيص انتاجه أو استيراده بحيث يتم تغريمهما أو اتخاذ قرارات جزائية ضدها اذا تعمدت أو قصرت فى توفير أدويتها دون ابداء الأسباب والمبررات القصرية التى اضطرتها لذلك .
على أن تكون تلك المسئولية القانونية مقصورة علي الأدوية الضرورية والأساسية دون الأدوية المكملة “غير الأساسية” وأن يتم تطبيق الغرامات والجزاءات بدرجة عالية من المرونة ودون احداث أضرار بالغة بشركات الأدوية ومع مراعاة الظروف القصرية و الخارجة عن ارادة تلك الشركات والتى قد تضطرها الى التقصير فى انتاج واستيراد تلك الأدوية الضرورية والأساسية.
ـ دكتور عبد النبى كيف نعيد النظر فى قواعد الأدوية ,وخاصتاً الأدوية الضرورية ؟
رغم أن نظام تسعير الأدوية القديم القائم على تخصيص وتقنين نسب الربح فى الأدوية يعتبر أكثر عدالة وملاءمة من النظام الجديد لتسعير الأدوية والذى يقوم على ربط سعر الدواء المصرى بالسعر العالمى والذى من المتوقع أن يرفع سعر الدواء المصرى بنسبة تتراوح بين 10% الى 40% من السعر الحالى .الا أن النظام القديم للتسعير كان به عدد كبير من العيوب دعت لتغييره يأتي على رأسها الروتين وطول مدة واجراءات تعديل تسعير الدواء .غير أن حل مساوئ النظام القديم فى التسعير لايكون بانشاء قانون تسعير جديد كارثى يراعى مصالح الشركات العالمية على حساب المريض المصرى بل كان يتلخص فى تقليل مدة ومراحل تعديل الأسعار نظرا للتغيرات السريعة على سعر الأدوية المستوردة واسعار المواد الخام الدوائية المستوردة خاصة في ظل المتغيرات الدولية وتقلبات الاقتصاد العالمى وارتفاع سعر صرف الدولار .
الى جانب ذلك أيضا يجب على الدولة أن تعمل على خفض أسعار المواد الخام الدوائية المستوردة من خلال عدة آليات بحيث يؤدى ذلك فى النهاية الى ارتفاع هامش ربح شركات الأدوية المنتجة داخل مصر وكذلك الصيدليات وفى نفس ا
الوقت يحافظ على سعر الدواء للمريض وربما انخفاضه.
هل هناك مشروع لانشاء مجلس أعلى للدواء, وكيف يتم انتاج المواد الخام للدواء فى مصر *
وهل الدولة المصرية قادرة على صناعة الأدوية التى عمرها فى مصر سبعين عاماً*
رابعاً.إنشاءمجلس أعلى للدواء

هو أحد أكبر وأهم الحلول لمشاكل الصيدلة والدواء فى مصر عموما .حيث لا يوجد فى مصر الان هيئة أو مجلس يختص بكل شئون الصيدلة والدواء مجتمعة .بل تتوزع مسئوليات قطاع الصيدلة والدواء فى مصر على عدد من الهيئات والوزارات مما يسبب انعدام للقدرة على وضع خطط وسياسات دوائية ثابتة وقابلة للتنفيذ نظرا لتوزيع المهام على الوزارات والهيئات المختلفة ,لذا فالحاجة ماسة لمجلس أعلي للصيدلة والدواء يختص بوضع السياسات والتشريعات والقوانين المنظمة لقطاع الصيدلة والدواء فى مصر بجانب مراقبة وتطوير هذا القطاع وحل مشاكله المؤقتة والمزمنة ومنها أزمة نقص الدواء
إنتاج المواد الخام الدوائية فى مصرا
رغم قدم صناعة الدواء فى مصر والتى تتجاوز السبعين عاما الا انها تظل قاصرة على انتاج الدواء فى صورته النهائية دون انتاج المواد الخام الدوائية حيث تستورد مصر أكثر من 85% من المواد الخام الدوائية من الخارج مما يجعل سوق الدواء المصرى شديد الحساسية للتغيرات والتقلبات والأزمات الدوائية وحدوث أى مشكلة فى استيراد أي مادة خام دوائية ينعكس مباشرة على السوق المصرى في شكل نقص أحد الأدوية والتى قد تكون أحيانا من المواد الضرورية, لذا فيجب على الحكومة المصرية توجيه اهتمامها فى هذه المرحلة الى انشاء مصانع لانتاج المواد الخام الدوائية فى مصر وتحفيز القطاع الخاص للخوض فى هذا المجال وتذليل العقبات التى تواجهه أملا في أن نصل فى وقت قصير نسبيا الى تغطية شريحة واسعة من المواد الخام الدوائية خاصة التى تدخل في انتاج الأدوية من فئة الأدوية الضرورية والأساسية
: اقتراحات متنوعة
.ونشير سريعا الىها اختصارا مثل محاربة السوق السوداء وضبط السوق وتجريم احتكار توزيع أصناف معينة من الأدوية وتشجيع انتاج بدائل للأدوية المستوردة وايجاد آليات جديدة لتنظيم استيراد المواد الخام الدوائية من الخارج والمساندة المعنوية والمصرفية لشركات انتاج واستيراد الادوية لمساعدتها على توفير السيولة المادية اللازمة لاستيراد الخامات والمنتجات الدوائية خاصة فى ظل رفض عدد كبير من الشركات المصدرة التعامل مع الشركات المصرية بنظام السداد الآجل نظرا للاضطرابات السياسية والاقتصادية التى تمر مصر بها فى هذة المرحلة , كذلك نشر التوعية بين المواطنين بخصوص موضوع الدواء البديل حيث يوجد قصور واضح فى تعريف المريض المصرى بأن الدواء البديل هو دواء مطابق تماما للدواء الأصلى من حيث التركيب والمفعول وانما الأختلاف فقط فى الشركة المنتجة والمسمى مما يخف الضغط على أدوية بعينها مما يؤدى لنقصانها رغم وجود عدد من البدائل لها .وكذلك الزام الأطباء بكتابة عبارة “يسمح بصرف أى اسم تجارى يطابق الأدوية المكتوبة فى الشكل الدوائى والتركيب” فى الروشتات وغيرها من الاقتراحات التى لايتسع المجال لذكرها .
وختاما فإن وجود هيئة أو مجلس مختص بشئون الدواء يضع سياسات قصيرة المدى للنهوض بالمنظومة الدوائية فى مصر ويعمل على تحقيق الاكتفاء الذاتى من الدواء وفق رؤية واضحة وآليات عملية ,سيضع حدا لمعظم – ان لم يكن كل – مشاكل المنظومة الدوائية في مصر وليس فقط الأزمات المتكررة لنقص الأدوية فى سوق الدواء المصري

التعليقات

التعليقات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*